موقع دروس الباكالوريا الرسمي
Doross Official Website

منهجية مقاربة القولة

 

من الطرق التي تم اختيارها - إذن - لمساءلة المترشحين، لاجتياز امتحان الباكلوريا في مادة الفلسفة، طريقة القولة-السؤال. وفي هذا الإطار، وجب التنبيه إلى بعض الصعوبات، التي يمكن أن نجدها في مقاربة القولة، والتي يمكن أن نحصر أهمها فيما يلي :
  • تعودنا على طريقة مقاربة النص طيلة الدورة الأولى، مما يؤدي إلى تعميم هذه المقاربة على القولة la citation.
  • حجم القولة (الصغير) الذي لا يساعدنا كثيراعلى إدراك مضمون القولة بسرعة.
  • فهم السؤال المذيل للقولة، وبالتالي موقعته بشكل من الأشكال داخل المكتسب المعرفي السابق.
ولتخطي هذه الصعوبات، وغيرها، لابد أن ندرك، أولا وقبل أي شيء، أن السؤال المذيل للقولة سؤال يتألف من مطلبين : مطلب يفترض فيه، أن يدفع بنا نحو الكشف عن الأطروحة المتضمنة في القولة، وبالتالي استخراجها. ثم مطلب يدفع بنا نحو مناقشة القولة، وبالتالي تقييم الأطروحة المفترض أن تتضمنها القولة. وسنحاول، فيما يلي، تقديم تصور نظري حول الخطوات المنهجية المتوقعة من مقاربة القولة.
1. طبيعة المقدمة
إن من خصوصيات الفلسفة، أنها لاتدرس إلا القضايا ذات الطبيعة الإشكالية. ومن ثمة، لا بد أن نعمل - في مستوى المقدمة - على تحويل القولة إلى قضية إشكالية. وذلك ما يجعل طريقة التقديم، في مقاربة القولة، قريبة من طريقة التقديم في مقاربة النص. ويستحسن، في صياغة الإشكالية، أن تتنوع الأسئلة إلى نوعين أسئلة ذات طبيعة ماهوية، وأسئلة ذات طبيعة نقدية تقويمية. بما أن المطلوب منا، أولا، هو استخراج أطروحة القولة، فالسؤال الماهوي، يتيح إمكانية التعمق في القولة و"الغوص" داخلها، بدل أن نحوم حولها. أما الأسئلة ذات الطبيعة النقدية، فهي توفر مناسبة للابتعاد النسبي عن القولة، وبالتالي إبراز قيمتها الفلسفية والفكرية على ضوء معطيات قبلية، وبالتالي أطروحات اكتسبناها سابقا.
2. طبيعة العرض
يتنوع العرض إلى لحظتين فكريتين مسترسلتين : لحظة القراءة ولحظة التقييم (أو النقد).
1.2 لحظة القراءة :
وهي لحظة مكاشفة القولة، وبالتالي اللحظة الفكرية التي يجب أن نلزم فيها القولة على التفتق للبوح بأطروحتها أو الخطاب الذي تحمله، أو التصور الذي تعرضه .. أو هذه الأمور كلها مجتمعة. وهذه القراءة تتنوع بدورها إلى قراءتين : سنصطلح على تسميتهما تباعا بالمقاربة المفاهيمية، و المقاربة الفكرية. ثم تليهما مباشرة لحظة الاعلان عن الأطروحة المتضمنة في القولة.
1.1.2 المقاربة المفاهيمية :
وهي لحظة وقوف عند المفاهيم الأساسية، للقولة التي يمكن اعتبارها مفاتيح ضرورية للكشف عن أطروحة القولة. إلا أنه يجب الحرص على أن تبتعد القراءة في المفاهيم، عن الشرح اللغوي والخطاب العمومي المبتذل، وأن تحاول الرقي إلى مستوى التنظير الفلسفي. خصوصا وأن المفترض، أنه يتم التعود على هذه المقاربة، أثناء توظيف النصوص داخل الفصل. علاوة على أن هذه مقاربة، يجب أن نتعود عليها في السنة الثانية أدب، على اعتبار أن أحد الأسئلة المذيلة لنصوص الاختبار، قد يحتم علينا ذلك. (بدل شرح "عبارة"، يمكن أن يطلب من تلاميذ السنة الثانية شرح مفهوم أو مفاهيم من النص...)
2.1.2 المقاربة الفكرية :
وهي اللحظة الفكرية، التي يجب أن نحول فيها القولة، إلى "مقولات" فكرية وبالتالي "أطر" نستطيع أن نوسعها فكريا وفلسفيا، حتى نجعلها تأخذ طابع الخصوصية. وبذلك نحول خطاب القولة "المقضب" إلى خطاب رحب، باعتباره، يحمل في مكنوناته أبعادا فكرية، وفلسفية، لايستطيع أن يكتشفها إلا من كلف نفسه عناء التأمل، والتفكر، والتدبر.
بعد ذلك، نستطيع الكشف عن أطروحة القولة، في صورة استنتاج، يظهر أن هذه اللحظة كانت ثمرة للمجهود الفكري الذي قمنا به أثناء القراءة السابقة.
2.2 لحظة التقييم
بما أننا - الآن - نعرف الأطروحة التي كانت القولة تخفيها في طياتها ؛ فإن ما يتوجب القيام به مباشرة - بعد ذلك - هو الانفتاح على المكتسب المعرفي السابق، وبالتالي البحث عن الأطروحات التي تسير في توجه القولة. ونحن نعتبر أن هذه المرحلة ليست تقييما، أو نقدا مطلقا، لأن في ذلك نوع من الإتمام للمرحلة السابقة. فالأطروحات التي سنأتي بها كنماذج، لا تأتي لتزكي طرح القولة فحسب، وإنما لتزكي كذلك القراءة التي قمنا بها، وتبين لماذا حددنا أطروحة القولة في موقف دون آخر، أو لماذا تندرج في خطاب فكري معين دون الخطابات الأخرى ...إلخ
لتأتي بعد ذلك لحظة التقييم الحاسم، والتي تتجلى في البحث عن النقيض، واالمعارض (l'antithèse ) في المكتسب المعرفي، واستثماره، بشكل يظهر بأن الموقف الذي تتبناه القولة ليس بالموقف النهائي.
3) طبيعة الخاتمة
كثيرا ما يتم الاستخفاف بالخاتمة ونحن نعتبرها لحظة حاسمة من لحظات الموضوع . فهي لحظة تفكر فيما سبق ولحظة تعبير عن الذات. لذا نعتبر الخاتمةاستنتاجا منبثقا من اللحظات الفكرية السابقة، وبالتالي تعبير عن رأينا الشخصي من موقف القولة. رأي ينطلق من الحق الأسمى (الذي لا يتناقض مع روح الفلسفة) الذي نملكه، في أن نكون مع، أو ضد، أي خطاب أو تصور إلا أن ذلك لايجب أن يكون بطرقة جزافية مفتعلة ولا بطريقة مسهبة.
منهجية مقاربة القولة في جدول
الخطوات العامة
المراحل المنهجية
أهم المهارات العقلية
المقدمة
تقديم عام
تأطير إشكالي للقولة
طرح الإشكالية:
تساؤل يدفع نحو اكتشاف الأطروحة المتضمنة في القولة
تساؤل يدفع نحو تقييم أطروحة القولة
 الــفهم
طرح الإشكالية
العرض
 مرحلتان فكريتان أساسيتان :
1) قراءة القولة
أ) المقاربة المفاهيمية
وتتلخص في الوقوف عند أهم المفاهيم
الموجودة في القولة.
ب) المقاربة الفكرية
وتتلخص في الوقوف عند المضمون
الفكري للقولة
ج) لحظة استنتاج الأطروحة
2) تقييم (مناقشة) الأطروحة
أ) لحظة الانفتاح على الأطروحات التي
تسير في توجه القولة.
ب) لحظة مقابلة الأطروحة بالأطروحات
النقيض
 
القدرة على القراءة
القدرة على الـتأويل
القدرة على الشرح الفلسفي
المقارنة
المقابلة
التقييم
السجال
الــنقد 
الخاتمة
 استنتاج ورأي شخصي
 الاسنتاج
الــنقد

تطبيق كتابي على القولة

نص الموضوع

" إن المحلل النفسي يتميز بإيمانه بجبرية الحياة النفسية ".
وضح هذه القولة وناقشها مبرزا مدى انطباقها على شخصية الإنسان.

فرويد [المرجع: روجي غارودي البنيوية فلسفة موت الإنسان - ترجمة جورج طرابيشي ص ص 9-10 منشورات دار الطليعة بيروت]

 

 

المقدمة

تتمركز المواضيع التقليدية للفلسفة، في مواضيع ثلاثة : الوجود، المعرفة، القيم. وحينما نفكر في هذه المواضيع، نجد الإنسان يشكل فيها قطب الرحى. ومن ثمة، يمكن أن نعتبر الإنسان موضوع الفلسفة بامتياز. وهذا ما جعل فيورباخ، يؤكد أن كل فلسفة تؤسس خارج الإنسان، وبمعزل عنه لا يمكن اعتبارها فلسفة. والقولة التي نحن بصدد مقاربتها، تطرح أمامنا إحدى القضايا المصيرية المرتبطة بمسألة الوجود الإنساني. وتجعلنا، بذلك، مضطرين إلى التفكير فينظرة المحلل النفسي إلى الحياة السيكولوجية، وبالتالي تطويقها فكريا فهما ومناقشة ونقدا. فما هي الأطروحة التي تحملها القولة بين ثناياها ؟ وما هي أبعادها الفكرية ؟ وما قيمتها الفلسفية ؟

العرض

حتى نسهل على أنفسنا مأمورية الاقتراب من التصور الفكري الذي تطويه القولة داخلها، يتحتم علينا أن نتوقف أولا عند مفهومين أساسيين (في القولة) هما مفهوم المحلل النفسي ومفهوم الجبرية. فمن هو المحلل النفسي ؟ إنه ذلك العالم الذي يعتقد بأن الحياة النفسية للإنسان تتمركز حول اللاشعور. وهذا الأخير منطقة تتضخم بفعل الصراع بين المكونات الأساسية للشخصية ونقصد : الهو والأنا والأنا الأعلى. فالأنا يضطر - تحت تأثير متطلبات الواقع، وخوفا من غضب الأنا الأعلى - إلى أن يكبت كثيرا من رغبات الهو في هذه المنطقة. فاللاشعور – إذن - عبارة عن منطقة مظلمة، وضبابية، لا يشعر الإنسان بوجودها داخله. ويعتقد المحلل النفسي، أنه لا يمكن الوصول إلى مكنون هذه المنطقة إلا بمنهج علمي دقيق، يصطلح على تسميته بمنهج التحليل النفسي. وهذا المنهج عبارة عن طرق متنوعة أشهرها التنويم الميغناطيسي. بعد أن اقتربنا من مفهوم المحلل النفسي يتاح لنا الآن أن نتمثل مفهوم الجبرية. فهذا المفهوم يحمل دلالات متنوعة بعضها يرتبط بقضايا ميتافزيقية كمسألة القدر في الفكر الإسلامي. وحتى لا نتيه وراء الدلالت الفلسفية المتعددة، سنلجأ إلى تحديد إجرائي للمفهوم، يساعدنا على الارتباط المباشر بالقولة التي نحن بصدد مقاربتها. فالجبرية إذن مفهوم يحمل معان مناقضة للاختيار والإرادة والمسؤولية. فأن نقول - مثلا - بأن الإنسان مجبر فمعنى ذلك أننا نسلب عنه كل معاني الإرادة والمسؤولية والاختيار في إتيان أعماله، وبالتالي سلوكياته.

إن هذه المقاربة الأولية لمفهومي المحلل النفسي والجبرية، تدفعنا إلى التساؤل عن المقصود بتميز المحلل النفسي بإيمانه بجبرية الحياة السيكولوجية ؟ ! إذا انطلقنا من إيمان المحلل النفسي بوجود منطقة اللاشعور، سيجعلنا ذلك، ندرك بسهولة لماذا يصطلح على تسمية مدرسة التحليل النفسي بالمدرسة اللاشعورية. فهذه المدرسة تؤمن إيمانا قطعيا بأن سلوكاتنا السوية والمرضية من إملاء اللاشعور لهذا تعمد - بالدرجة الأولى - على سبر أغوار اللاشعور لفهم سلوكات الشخصية. وهذا ما يجعلنا نؤكد بشكل قطعي أن هذه القولة تدور في فلك التمثلات الفرويدية لمفهوم اللاشعور، ذلك لأن فرويد يقول صراحة:"..ضرورة فرضية اللاشعور آتية من كون معطيات الشعور ناقصة نقصا شديدا. فغالبا ما تحدث لدى الإنسان السليم والمريض على حد سواء أفعال نفسية يفترض تفسيرها أفعالا أخرى لا يشهد لها الوعي بالوجود." ومعنى ذلك أن مدرسة التحليل النفسي تشبه العلاقة بين الشعور واللاشعور بجبل الجيد iceberg . وهذا التشبيه، يؤكد أن هذه المدرسة تعتقد بأن السلوكات التي يمكن للإنسان أن يجد لها مبررات عقلية في وعيه، أو يعتبرها نتيجة لإرادته، تجد لها التفسير الحقيقي في اللاشعور. فمكبوتات اللاشعور في نظر هذه المدرسة ليست ميتة، ولكنها يقظة، تعبر عن نفسها بطريقة رمزية وملتوية في أعمالنا وسلوكاتنا. وخير نموذج على ذلك نظرة هذه المدرسة إلى الإنجازات البشرية السامية (كالفن والرياضة ..إلخ) حيث تعتبرها مجرد تصعيد للمكبوت الجنسي. هكذا يمكن أن ندرك، وبسهولة، أن هذه المدرسة تؤكد على حتمية الوجود البشري باعتباره أداة يسخرها اللاشعور لتحقيق أهدافه.

إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا النطاق هو : هل يمكن أن نعتبر هذا من مميزات هذه المدرسة ؟ إذا انتهينا إلى التأكيد القطعي إلى تخصيص التحليل النفسي بحتمية الوجود الإنساني سنكون متجاهلين لكثير من الحقائق الفكرية : فلما أرادت العلوم الإنسانية أن تدرس الإنسان دراسة موضوعية، تنوعت إلى مدراس اعتقدت ضرورة اقتباس المنهج التجريبي، وأخرى (من بينها مدرسة التحليل النفسي) ارتأت أن للإنسان خصوصيات تميزه عن الظاهرة الطبيعية، لذا وجب البحث عن مناهج أخرى ملائمة للطبيعة الإنسانية. إلا أن جميع تلك المدارس (باستثناء المدرسة الشعورية) اتفقت حول حتمية الوجود الإنساني. ففي الخطاب السيكولوجي السلوكي نجد تأكيدا قطعيا على هذه الحقيقة، حيث يقول واطسون (مؤسس هذه المدرسة) بصريح العبارة : " أعطوني عشرة من أطفال أصحاء أسوياء التكوين ، فسأختار أحدهم جزافا ، ثم أدربه ، فأصنع منه ما أريد : طبيبا ، أو فنانا ، أو عالما ، أو تاجرا ، أو لصا أو متسولا ، وذلك بغض النظر عن ميوله ومواهبه ، أو سلالة أسلافه ". ونفس التصور يتبناه الخطاب السوسيوثقافي، الذي يعتبر الإنسان منتوجا حتميا لمحيطه الاجتماعي باعتبار التنشئة الإجتماعية المحدد الأساسي لمكونات الشخصية. ويكفي أن نشير – كنموذج في هذا الإطار - إلى أطروحة لوسيان مالصون، التي تؤكد على أن العزل المبكر للطفل البشري عن أي محيط سوسيوثقافي، سيخلق منه كائنا متوحشا لا يمكن أن ندعي انتسابه إلى أي مجتمع بشري، نظرا لغياب غريزة خاصة بالنوع يمكن أن تجعل من الإنسان إنسانا. وبتعبير آخر : إن إنسانية الإنسان تتوقف على وجوده داخل مجتمع معين يكسبه ثقافة مميزة.

إن هذا ما يؤكد، أن ما ورد في القولة، ليس تصورا ينفرد به المحلل النفسي بل هو تصور يطغى على العلوم الإنسانية. مما جعل بعض الإيبيستيمولوجيين يعتقدون، أن هذا التقارب في النظرة، هو الذي أدى إلى تفاعل متبادل بين الخطابين السيكولوجي والسوسيوثقافي، وأدى بالتالي إلى ظهور مفاهيم تؤكد تقاربهما في النظرة إلى حتمية الكائن البشري كالمفاهيم التالية : العقل /أو الضمير/ الجمعي (دوركايم) اللاشعور الجماعي (يونج)، اللاشعور البنيوي (ليفي ستروس) ...الخ.

بل، ويمكن تعميم هذه النظرة على بعض الطروحات الفلسفية، ذات الارتباط المباشر بنشأة العلوم الإنسانية. فهذا ماركس، يؤكد على أن الوجود الإجتماعي للإنسان، يحتم عليه أن يدخل مع غيره من الناس في علاقات إنتاج مستقلة عن إرادته. وهذا ميشيل فوكو (البنيوي) يؤكد، بشكل لا يدع مجالا للشك، أنه لا يسع المرء، الآن، إلا أن يواجه ب " ضحك فلسفي كل من لا يزال يريد أن يتكلم عن الإنسان، وعن ملكوته أو تحرره".

إن مقاربة القولة، بهذه الطريقة، قد تدفع إلى الظن بأن الإجماع منعقد حول ما ذهبت إليه القولة، على الرغم من إدراكنا لعدم تميز التحليل بحتمية الوجود الإنساني.

سنكون مخطئين إذا اعتقدنا ذلك. فالخطاب الفلسفي، لا يربط الإنسان بعوامل موضوعية كانت السبب في تشكله، ولا يعترف بأن للإنسان وجودا موضوعيا قابلا للملاحظة الموضوعية. فنعرف جليا، كيف أن ديكارت – الأب الروحي للفلسفة الحديثة – نظر إلى الإنسان من خلال الثنائية جسد/فكر. وأكد أن الخصائص الجسمية لا يمكن اعتبارها مطلقا خصوصيات تميز الإنسان، ليبين أثناء عملية الكوجيتو بأن الخاصية الأساسية المميزة له هي التفكير. لقد أبان ديكارت العلاقة التلازمية المطلقة بين وجود الإنسان وخصوصية التفكير لما قال : " إذا انقطعت عن التفكير انقطعت عن الوجود". هكذا ندرك بأن الشخصية، في اعتقاد ديكارت، وجود مجرد يرتبط بالوعي بالمعنى المطلق لهذا المفهوم.

ومع ذلك يمكن اعتبار ديكارت من القائلين بثبات الوجود الإنسان وإن كان هذا الثبات سابق على الوجود البشري. ومعنى ذلك أن ديكارت فسح المجال لإمكانية التنبؤ بكينونة الإنسان مادام قد حددها في خاصية التفكير ومن ثم نستطيع أن نتعرف – انطلاقا من هذا المبدأ – على أي فرد حتى قبل وجوده. وهذا أمر رفضه سارتر بشدة لما أكد على أن وجود الإنسان أسبق من ماهية حيث أن الفرد يوجد أولا، ثم يحدد ما سيكون بعد ذلك. وبهذا لا يتناقض سارتر مع ديكارت وحسب، بل ويتناقض مع جاء في القولة. لأن سارتر يؤكد بأن إنسانية الإنسان مشروع، يقوم الفرد ببنائه بكامل الوعي، والحرية، والمسؤولية. فالإنسان، أثناء بنائه، يمر من مرحلة اختيار قلق نظرا لما ينفتح أمام وجوده من إمكانات يستطيع، من خلالها، الفرد أن يحقق في إطارها وجوده لذاته. والفرد، أثناء بنائه ذاته، لا يبني نفسه وحسب، ولكنه يبني الإنسانية جمعاء. ومن خلال ممارسة الفرد لحريته، في بناء فرديته، يقدم، في ذات الوقت، الصورة الفردية المطلقة التي يجب أن يكون عليها الموجود البشري باعتباره وجودا في ذاته.

ونستطيع أن نموقع موقف برغسون في نفس السياق. باعتبار هذا الفيلسوف يرفض حتمية الإنسان، وتظهر، بالتالي، معارضته لنظرة المحلل النفسي للإنسان. وذلك من خلاله تأكيده على أن لحظات الحياة البشرية، هي عبارة عن لحظات أصيلة متميزة ومتجددة. فكل لحظة، من لحظات الحياة البشرية، غير قابلة للتكرار ولا يستنسخ بعضها بعضا. وبالتالي تصبح حياة الفرد غير قابلة للتنبؤ. فهي أشبه بلوحة فنية لا يستطيع الفنان نفسه أن يتنبأ بما ستكون عليه حتى ينتهي منها.

الخاتمة

انطلاقا مما تقدم، يتبين أن تأكيد القولة على حتمية الحياة النفسية، هو تأكيد غير فردي وغير معزول. فهو موقف كثير من الطروحات الفكرية المنتسبة إلى العلوم الإنسانية والقريبة منها. إلا أنه، في مقابل ذلك، نجد طروحات تؤكد على أهمية المبادرة الفردية في بناء الشخصية وهي، في معظمها، طروحات فلسفية. فهل هذا معناه أن لا مفر من مؤازرة الموقف العلمي ؟! لا يجب في هذه القضية أن ننسى أمرين : أحدهما يتجلى في موقف المدرسة السيكولوجية الشعورية الرافض لحتمية الوجود البشري ؛ والثاني يتجلى في أن العلوم الإنسانية من طبيعتها أنها علوم احتمالية، و لا أدل على ذلك أكثر من تعدد الخطاب والصراع بين المدارس. إلا أن هذا لا يعطينا الحق في التشكيك المطلق في علميتها. لكن، لابد من التأكيد، على أنه من الصعب، أن يكون الإنسان، في آن واحد، الذات العارفة وموضوع المعرفة، الأمر الذي تفرضه عليه العلوم الإنسانية. ومع ذلك، نؤكد أن العلوم الإنسانية، ساعدت الإنسان على أن يعرف ذاته، تلك المعرفة التي استطاع الفرد أن يستغلها ليتمرد ضد كل تحنيط وتنميط للوجود البشري في أنموذج واحد.

_______________________________________________________________

الموضوع: تحليل و مناقشة القولة .
يقول نيتشه " الحقائق أوهام نسي الإنسان أنها كذلك ، و استعارات استعملت و فقدت قوتها الحسية ، و قطع نقدية فقدت بصماتها و أصبحت تعتبر منذئذ معدنا لا قطعا نقدية . ."
اشرح هذه القولة ، وبين هل كل الحقائق أوهام . من كتاب : رحاب الفلسفة . ص: 119 .
.............................................
" ... إلا أن الحقائق ، هي أوهام نسينا أنها كذلك ، و استعارات ، فقدت – من فرط الاستعمال – قوتها . "
منار الفلسفة . ص: 74 .
............................................
" ... إلا أن الحقائق هي عبارة عن أوهام نسينا أنها كذلك ، و استعارات استخدمت كثيرا حتى فقدت قوتها ، إنها قطع من النقد فقد الختم المرسوم عليها ، و أخذ ينظر إليها ، لا على أنها قطع نقدية ، بل مجرد مادة معدنية ."
من : دفاتر فلسفية . الحقيقة . ص: 74 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سأتعامل مع القولة الموجودة برحاب .
يمكن تأطير هذه القولة ضمن مجزوءة المعرفة ، و هي تدخل في إطار مفهوم الحقيقة ، و بالضبط في محور الحقيقة بوصفها قيمة .
و يمكن صياغة إشكاليتها على النحو التالي :
هل بإمكان الإنسان بلوغ الحقيقة ؟ ( الحقائق) ؟ أم أنه لايدرك إلا الأوهام ؟ و لم تحدث نيتشه عن الحقائق بصيغة الجمع ، بدل الحديث عن الحقيقة بصيغة المفرد ؟
و إن السؤال المرافق للقولة يتضمن التساؤلات التالية :
ما هي أنواع الحقائق الموجودة ؟ و على ماذا تتأسس ؟ ثم ، أليس هنالك مجرد أوهام عوض الحقائق ؟
يؤكد نيتشه ، في هذه القولة ، على أن الحقائق أوهام نسي الإنسان أنها كذلك ، و معنى ذلك ، أنه مبدئيا ، لا يجوز الحديث عن الحقيقة ، كما حددت من طرف الميتافيزيقا ، باعتبارها مطابقة الفكر لذاته ، و أنها ثابتة و مطلقة ، بل هنالك حقائق ما فتئت تتغير باستمرار ، و هي نسبية نسبية الإنسان في هذا الوجود .
و إن الإنسان يضطر إلى خلق أوهام يغطي بها عن حقائق واقعية ملموسة ، ذلك أنه ( في مواجهته لباقي الأفراد ، يريد الحفاظ على نفسه ، فهو غالبا ما يستعمل العقل في الظروف العادية ، لكن ، بما أنه مدعو بحكم الضرورة و الضجر إلى أن يعيش مع الآخرين في المجتمع ، فإنه يجد نفسه مضطرا لمسالمة الغير ، و إلى استبعاد الشراسات الناتجة عن " حرب الكل ضد الكل " ، و يصاحب حالة المسالمة هذه شيئ شبيه بالخطوة الأولى التي يأمل من ورائها بلوغ غريزة الحقيقة ، تلك الغريزة الغامضة ).
ههنا يتضح ، أن نيتشه يتحدث عن تصور لحالة الطبيعة ، و الحقائق الغالبة فيه قاتلة يرفضها العقل ، فهي ليست سوى الصراع الدائم و الاقتتال و الحرب المدمرة ، التي لولا فطنة العقل الإنساني ، لحصل اندثار النوع ، و هذا ما دفع إلى خلق أوهام من قبيل السلم و الأمان و التآخي و التآزر ... و الوهم ، كما معروف ، ليس سوى خطإ قد بصيب الإدراك أو الحكم أو الاستدلال ، و قد يكون يكون نتيجة إلمامنا بشيئ ما في مظهر من مظاهره ، أي وفق ما يبدو لنا ، إلا أن الوهم هنا واقع تحت حكم الضرورة ، و هنا تتدخل اللغة ، عبر صورها البلاغية و الاستعارات ، و الاستعارة ليست إلا استخدام الكلمات أو العبارات بشكل مجازي ، أي نقلها من معانيها الحقيقية الأصلية إلى الدلالة على معان إخرى على تشبيه محذوف و غير مصرح به ، لتتحول الحقائق إلى أوهام ، سينسى الإنسان مع مرور الأيام و السنوات ، بل و القرون ، أنها مجرد أوهام ، و ستعمل الميتافيزيقا و الايديولوجيا عملهما ، لتصبح الأوهام حقائق تخدم مجموعة من الوظائف داخل النسيج الاجتماعي للمجتمع ، و تحافظ على تماسكه و استمراره في الزمان .
هكذا ، فمشروع نيتشه ، لن يكون إلا قهر هذا الزوج الميتافيزيقي : الحقيقة / الوهم ، ليجعل بدله ، تطابق التمثل مع الكائن كما هو ، ومع الكيفية التي هو موجود عليها ، أي كيفيته و نمطه ، فلن تكون الحقيقة إلا وهما في خدمة الحياة ، إنها نوع من الخطإ بدونه لا يمكن لنوع معين من الكائنات الحية أن يستمر في الوجود .
لقد شبه صاحب القولة الحقائق بقطع نقدية فقدت بصماتها ، و كما هو معروف ، فقيمتها التبادلية لن تكون إلا في تلك البصمات ، لأنه بدونها تصبح مجرد قطع معدنية .
و فيما يتعلق بالحجاج الذي تقدمه القولة ، فيمكن الإشارة إلى المماثلة بين الحقائق و القطع النقدية الفاقدة لبصماتها و بالتالي لقيمتها ، و كذلك الإثبات من خلال قوله : الحقائق أوهام ... ، و النفي ، إذ ينفي قيمة القطع النقدية بعد إتلاف بصماتها من خلال قوله : و أصبحت منذئذ معدنا ، لا قطعا نقدية .
و على مستوى المناقشة ، يتضح أن للقولة قيمة فلسفية ، تكمن في تجاوزها للتصور الميتافيزيقي الذي يتحدث عن الحقيقة المطلقة الثابتة ، كما تكمن في اعتماد نيتشه على المنهج الجينيالوجي الموظف بصفة عامة في فلسفته التي تهتم بالبحث في أصول المفاهيم لتحديد دلالاتها و نشأتها ، و في خلخلته لهذه المفاهيم .
و كأطروحة داعمة لأطروحة نيتشه ، ، يمكن الإشارة إلى أطروحة هايدجر الذي يعتبر أن الحقيقة لا تشتغل بمعزل عن أضدادها كاللاحقيقة و الخطإ و الوهم ، و أنه لابد من التحرر من سلطة الوجود الزائف لتحقيق الوجود الأصيل ، الذي في مستواه يمكن أن نصل إلى مستوى انكشاف الحقيقة أمام الذات ، حقيقة الحياة أو الموت .
و فيما يتعلق بالأطروحات المعاكسة ، تجدر الإشارة إلى أطروحة أفلاطون ، الذي يرى أن الحقيقة موجودة و قائمة بالفعل ، إنما في عالم مفارق للعالم المادي ، و أنه لابد من المجاهدة التأملية ( الجدل الصاعد ) لبلوغها ، و ذلك عن طريق التحرر من سلطة الجسد . ( يمكن الرجوع إلى نص شيق لنيتشه تحت عنوان : محتقرو الجسد ) .
و كذلك أطروحة ديكارت الذي يقر بأن الحقيقة موجودة ، و يتم إدراكها بواسطة الحدس و الاستنباط ، فكل ما كان واضحا و بديهيا و متميزا ، فهو حقيقة . ( يمكن استعراض أطروحات أخرى ، كأطروحتي باسكال و سبينوزا ... ) .
هكذا ، نخلص إلى أن هنالك تضاربا على مستوى تحديد مفهوم الحقيقة / الحقائق ، و ذلك وفق تصور كل فيلسوف ، و إن الواقع الفعلي ينبئ عن تعدد الحقائق و ليس الحقيقة ، حقائق فكرية و سياسية و اقتصادية و فنية ... بل إنه داخل المجال الواحد تتعدد الحقائق و تتنوع ، وتفلت من كل تحديد بواسطة ميكانيزمات سلطوية و ايديولوجية ...
فما الذي دفع الإنسان ، و لا زال يدفعه إلى الاعتقاد في الحقيقة الواحدة ؟