موقع دروس الباكالوريا الرسمي
Doross Official Website

درس الواجب

الواجب               
       تقديم
 

يعتبر مفهوم الواجب قطب رحى الفلسفة الأخلاقية ، إذ يشكل إحدى  المقولات الأساسية التي انبنى عليها التفكير الفلسفي في الشق الأخلاقي إلى جانب قيم أخرى كالسعادة و الحرية... والحديث عن الواجب باعتباره أحد هذه القيم يدفعنا للتساؤل:ما هو الواجب ؟وما هو الأساس الذي يقوم عليه؟هل يقوم على الالتزام الداخلي المؤسس على الوازع الأخلاقي؟أم أنه يقوم على سلطة الإكراه والإلزام الخارجي بغض النظر عن مصدره وطبيعته؟وإذا كان الواجب يقوم على الالتزام الداخلي ألا يقتضي ذلك ضرورة وجود وعي أخلاقي من شأنه أن يشكل الأساس الذي يقوم عليه الواجب ـ إلى جانب أسس أخرى كالقوانين الوضعية؟وعندما نتحدث عن الواجب ،ألا يحق لنا أيضا أن نتساءل :هل الواجب هو واجب تجاه الذات أم تجاه الآخرين؟
 
المحور الأول: الواجب و الإكراه
الحديث عن مفهوم الواجب يجرنا للتساؤل عما إذا كان إلزاما أم التزاما ؟بمعنى آخر هل ما نقدمه من واجب هو صادر عن رضى وطيب خاطر؟أم لأننا أرغمنا عليه؟
يذهب  كانط إلى اعتبار الواجب هو القيام بالفعل احتراما للقانون ـالقانون الذاتي الأخلاقي القائم على الخير الأسمى، والمؤسس على العقل والإرادة ـ وعلى هذا النحو يكون المرجع الأساسي الذي يجب أن ينطلق منه الجميع هو العقل لأنه كوني بالنسبة للجميع. والحكم الأخلاقي إذ يصدر عن الإرادة الخيرة الحرة ـ التي مصدرها العقل هي الأخرى ـ فهو أيضا يمكن توصيفه بالكوني.
اهتجس كانط بهاجس الكونية وهو يبني فلسفته النقدية بشكل عام. لذلك وضع قوانين تتسع رقعتها لتشمل الإنسان كمفهوم، أي الإنسان في صيغته المطلقة، مركزا على العقل والإرادة  لطابعهما الكوني والمشترك.  فالعقل العملي إلى جانب الإرادة هما المشرعين لمفهوم الواجب، الذي هو إكراه، من حيث هو فعل خاضع للعقل،  وللحرية، لأن مصدره الإرادة.
في حين يرى هيجل أن الأطروحة الكانطية مجرد نزعة صورية تفتقر إلى التجلي والتجسد في الواقع. فالواجب مع هيجل ذو طابع مؤسساتي وغايته هي إقامة الدولة القوية التي يبتدئ بناء صرحها  من الفرد الذي ينصهر في الكل، بلغة صاحب الفينومنولوجيا " يجب على الفرد الذي يؤدي واجبه أن يحقق مصلحته الشخصية أو إشباعه وأن يتحول الشأن العام إلى شأن خاص بفعل وضعيته داخل الدولة. فان دل هذا فإنما يدل على أن المصلحة الخاصة تنصهر ضمن المصلحة العامة بحيث يضمن الفرد حمايتها. "فالفرد ـ يقول هيجل ـ الخاضع للواجبات سيجد في تحقيقها حمايته لشخصه ولملكيته باعتباره مواطنا، وتقديرا لمنفعته وإشباعا لماهيته الجوهرية، واعتزازا بكونه عضوا في هذا الكل؛ وبذلك يغدو الواجب مرتبطا بالدولة لا بالذات في وجودها الخالص.
وعلى النقيض من ذلك يرى غويو أن الفعل الأخلاقي لا يجب أن يصدر عن إلزام   و لا عن خوف من أي جزاء أو عقاب. إنما يكون هو فعلا تأسيسيا لمسار الحياة الذي لا ينتهي، و لغايات حددتها الطبيعة الإنسانية بوصفها فاعلية مطلقة نحو الحياة. لكن الواجب الأخلاقي من وجهة النظر الطبيعية هاته التي ليس فيها شيء غيبي، يرتد إلى القانون الطبيعي الشامل ، فمصدره هو الشعور الفياض "بأننا عشنا و أننا أدينا مهمتنا ...     و سوف تستمر الحياة بعدنا، من دوننا، و لكن لعل لنا بعض الفضل في هذا الاستمرار". و المنحى نفسه يتخذه نيتشه حين يؤسس الأخلاق على مبدأ الحياة بوصفها اندفاع خلاق محض. إذ الفعل الأخلاقي عند نيتشه ما يخدم الحياة ويزيد من قوتها و ليس ما يضعف الحياة و يزيد من محدوديتها. هكذا هو الخير و الشر عند نيتشه.
   
   المحور الثاني: الوعي الأخلاقي
يعتبر مفهوم الوعي الأخلاقي مفهوما مركزيا في الفلسفات الأخلاقية .فما هو الأساس الذي يقوم عليه هذا الوعي؟
يرى روسو أن الوعي الأخلاقي إحساس داخلي موطنه وجداننا فنحن نحسه قبل معرفته ،وهو الذي يساعدنا على التمييز بين الخير والشر ،والحسن والقبيح،وهي إحساسات طبيعية وفطرية يسعى الإنسان من خلالها إلى تفادي ما يلحق الأذى به وبالآخرين،ويميل إلى ما يعود عليه وعلى الآخرين بالنفع.الأمر الذي يقوي لديه الوعي الأخلاقي فيجعله متميز عن باقي الكائنات الحيوانية الأخرى.
أما هيجل فانع يعتبر الوعي الأخلاقي هو الربط بين الواجب والمبادئ الأخلاقية.وفي هذا الإطار يميز هيجل بين الواجب بمعناه القانوني والواجب بمعناه الأخلاقي ،فإذا كان النوع الأول من الواجب يعتبر نموذجيا،فان النوع الثاني يفتقر إلى الطابع النموذجي،وذلك لقيامه على الإرادة الذاتية.لكن ،سرعان ما سيعكس هيجل هذا الحكم ،عندما سيعتبر الواجب القانوني واجبا يفتقر إلى الاستعداد الفكري،على عكس الواجب الأخلاقي الذي يستدعي ذلك الاستعداد،ويقتضي أن يكون مطابقا للحق في ذاته.وعلى هذا النحو يصبح للواجب الأخلاقي قيمة باعتباره وعيا ذاتيا وليس إلزاما خارجيا.
وفي مقابل هذين التصورين ،يذهب نيتشه إلى رفض كل التزام أخلاقي ، سواء من الناحية المبدئية أو من ناحية ادعائنا القدرة على تعميمه على جميع الذوات.إن اعتبار الالتزام الأخلاقي أساسيا للفعل الأخلاقي ،هو في نظره هو جهل بالذات وسوء فهم لها، وخصوصا عندما تدعي تلك الذات إمكانية تعميمه على كل الذوات الأخرى. وكبديل لهذا الالتزام، يشدد نيتشه على الأنانية الذاتية، بما تعنيه من هناء وخنوع وتواضع، باعتبارها أساسا للسلوك الإنساني عوض ذلك الالتزام الأخلاقي الزائف.
   المحور الثالث: الواجب و المجتمع
ماهي الصلة التي يمكن إقامتها بين الواجب والمجتمع ؟ وكيف تتحدد واجبات الفرد تجاه المجتمع والآخرين؟
يرى دوركهايم بأن المجتمع يشكل سلطة معنوية تتحكم في وجدان الأفراد، و يكون نظرتهم لمختلف أنماط السلوك داخله، و من ثمة فالمجتمع يمارس نوعا من القهر و الجبر على الأفراد إذ هو الذي يرسم لهم معالم الامتثال للواجب الأخلاقي و النظم الأخلاقية عموما، و لما كانت الحال كذلك لأن الأفراد يُسلب منهم الوعي بالفعل الأخلاقي، لأنه لم يكن نابعا من إرادة حرة و واعية و إنما عن ضمير و وعي جمعيين هما المتحكمان في سلوكيات الأفراد.   و بالتالي فالمجتمع سلطة إلزامية "و التي يجب أن نخضع لها لأنها تحكمنا و تربطنا بغايات تتجاوزنا.
و من ثمة فالمجتمع يتعالى على الإرادات الفردية، و يفرض السلوكيات التي يجب أن يكون بما فيها السلوكيات الأخلاقية لأن المجتمع "قوة أخلاقية كبيرة. فيحقق الأفراد غاية المجتمع لا غاية ذواتهم و الإنصات لصوته الآمر لأن "تلك المشاعر التي تملي علينا سلوكنا بلهجة آمرة صارمة و ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع و لا يعبر إلا عنه.
 
أما ماكس فيبر فينصرف في حديثه عن الواجب الأخلاقي و الأخلاق عموما إلى القول بأن الأخلاق في مجملها تنقسم إلى نمطين اثنين: نمط أول موسوم بأخلاق الاقتناع ذات المظهر المثالي و المتعالي التي يكون فيها الفرد غير متحمل لأية مسؤولية، و إنما هي مركونة إلى المؤثرات و العوامل الخارجية التي لا يتدخل فيها الفرد، و إنما تطرح فيه بتأثير الأبعاد الدينية، بما هي صوت متعال يصدر أوامره، حيث إن " أخلاقية الاقتناع لن ترجع المسؤولية إلى الفاعل، بل إلى العالم المحيط و إلى حماقة البشر و إلى مشيئة الله الذي خلق الناس على بهذه الصورة.
و نمط ثان من الأخلاق هو ما أطلق عليه أخلاق المسؤولية، التي تصدر من الذات الفردية و تتأسس على الوعي الفردي الحر، إذ "نحن مسئولون عن النتائج التي تمكن توقعها لأفعالنا"، و لا ترجع المسؤولية إلى بعد خارجي قسري، لا علاقة لهذه الأخلاق بالقدر أو بالحظ.
 
لكن جون راولز صاحب نظرية العدالة في الفكر السياسي المعاصر، فيذهب الى أن الواجب الأخلاقي باعتباره نمطا من التضامن الذي يبنيه و يؤسسه الجيل السابق للجيل اللاحق، حتى يستطيع الجيل الأول  أن يوفر كل إمكانيات العيش الرغيد و المريح. فكل جيل يتحمل على كاهله مسؤولية  تأمين المستقبل الذي لا يجعل الجيل اللاحق في حالة من الضياع و التشتت.
و كثيرة هي المناحي التي ينبثق منها هذا الواجب الأخلاقي بما هو تضامن بين الأجيال ، و هذا التضامن هو خدمة للمجتمع عموما و تقسيم الثروات بشكل عادل.
خاتمة
 انطلاقا مما سبق التطرق إليه من مواقف نجد أن الواجب الأخلاقي مفهوم يتراوح بين عدة أنظار و مواقف متباينة لا تتعارض أكثر مما تكون صورة بانورامية حوله، فمنهم من جعل من الواجب إرادة حرة و مطلقة في مقابل رأي معاكس إذ يرى النقيض، حيث جعل من الواجب الأخلاقي جزءا لا يجتزئ عن  سلطة من السلط  إما  نفسية أو دينية أو غير ذلك...
-------------------------------------------
تقديم اخر

يتنزل مفهوم الواجب من الفلسفة الأخلاقية منزلة القطب من الرحى، فهو أحد المقولات الأساس التي انبنى عليها التفكير الفلسفي في الشق الأخلاقي إلى جانب أخرى من قيبل: السعادة و الحرية، و اللتان تتداخلان بدورهما مع الواجب، لتشكلا في نهاية المطاف نسقا منتظما، تتداخل معاني كل مفهوم في الآخر، بل قد لا يستقيم مفهوم دون الآخر، و لا تكتمل الصورة الدلالية لواحد إلا بالرجوع إل&ÿÿ610;هم ÿÿ0;ميعا.

غير أن الناظر المتمعن في مفهوم الواجب لواجد هو نفسه يتراوح ما بين عدة مقاربات و تصورات راجعة هي إلى اختلاف زوايا نظر كل فيلسوف، و محلل نفسي،   و عالم اجتماع، و اختلاف زوايا النظر ينصرف هو الآخر غلأى مجمل المفاهيم التي تشكل حجر الزاوية لكل مجال على حدة، ثم عائد كذلك إلى اختلاف المقدمات المُتأسس عليها منهج التحليل، ورغم ما يمكن أي يسجل حولها من اختلاف فهو لا يعني تعارض الأطروحات و إنما تحيك في ثوب واحد و هو مقاربة مفهوم الواجب الأخلاقي باعتباره مفهوما إنسانيا محضا، فتجد الفيسلوف ينظر فيه من جهة معناه التجريدي و التأسيسي،   و عالم النفي من جهى تأثيره في الفرد و وجدانه، و عالم الاجتماع من جهة تأثير المجتمع في تمثل الواجب و تطبيقه. و لما كانت الحال هي كذلك، وجب النظر و الوقوف للحديث عن الواجب الأخلاقي كمفهوم فلسفي محض.

دلالات الواجب:

·       في الحس المشترك:

يتخذ الواجب الأخلاقي في المعنى البسيط والمتداول عند العامة من الناس بأنه: تلك القدرة على التحكم في التصرفات، و ذلك الآمر الداخلي الذي يتحكم في وجدان الأفراد و يحُول دون إتيانهم تصرفات مشينة يمجها المجتمع ويقذح في مرتكبها، و انتفاء الواجب الأخلاقي عن الفرد يجعل منه حديثا للانتقاص و الاستهزاء والقدح، إنه مرادف على السمت الحسن و الصيت الطيب عند الناس، و لما كان هذا المعنى هو الشائع عند الناس فإنهم يربطونه بطبيعة التربية التي يتلقها الفرد داخل الأسرة، و في الوقت الذي تكون فيه التربية الأسرية ناقصة تنعكس و ترد سلبا على الفرد. فهل يصدق هذا المعنى على المعاجم اللغوية؟

·       في اللسان العربي و اللسان الفرنسي:

يتخذ معنى الواجب في اللسان العربي عدة معان، نستقيها من المعاجم العربية، و من أهمها على الإطلاق معجم لسان العرب لابن منظور فيقول عن كلمة واجب: وَجَبَ الشيءُ يَجِبُ وُجوباً أَي لزمَ. وأَوجَبهُ هو، وأَوجَبَه اللّه، واسْتَوْجَبَه أَي اسْتَحَقَّه؛ يقال: وَجَبَ الشيءُ يَجِبُ وُجوباً إِذا ثَبَتَ، ولزِمَ. ونَفَذ. يقال: وجب البيعُ يَجِبُ وجوباً، وأَوْجَبَه إِيجاباً أَي لَزِمَ. إذن فمعنى الواجب هو: اللزوم و الثبات، أي أنه القدرة على الامتثال الدائم للناهي و الوازع الأخلاقي. إن كان هذا هو معنى الواجب في اللغة العربية فما معناه غي اللغة الفرنسية؟

أما في اللسان الفرنسي نجد مثلا معجم MICRO ROBERT: يقابل كلمة واجب بDEVOIR بمعنى: الواجب أو الإجبار الأخلاقي العام، و نقول تصرف التصرف الشخص عن طريق الواجب. كما ننعت شخصا ما بأنه رجل واجب؛ أي أنه يحترم ما تمليه الضرورة الأخلاقية. فهل تتوافق هذه الدلالات اللغوية و المعنى الفلسفي للمفهوم؟

·       في الدلالة الفلسفية:

يعرف صاحب كتاب المعجم التقني و الفلسفي لالاند أن الواجب هو: الوجوب الأخلاقي الذاتي الذي يرتكز على النداء الباطني بمعزل و منأى و مبعد عن أي قاعدة خارجية كالدين و القانون، مكا أ،ه ينصرف إلى الامتثال الالزامي الذي يتأسس سلطة قهرية خارجية، و من ثمة يلتقي هذا المعنى مع الدلالات التي تطرقنا إليها في الدلالى اللغوية.

غير أن هذه التحديدات اللغوية و الفلسفية لا تنفي النظر في المواقف التي ثورت المفهوم و تحدثت عنه بوضوح التحدث، مستشكلين الموضوع الاستشكال، و متسائلين:

Ø    هل الواجب الأخلاقي إرادة حرة أم أنه ضرب من القهر و الإكراه؟

Ø    فإن كان إرادة حرة فعلى ماذا ينبني؟ و إن كان ميسما من الإكراه فكيف ذلك؟

Ø    ما هي العلاقة الممكن إيجادها بين الوعي الأخلاقي و الواجب؟

Ø    على ماذا يتأسس الوعي الأخلاقي؟

Ø    هل الواجب الأخلاقي يحكمه ضمير الفرد أم ضمير المجتمع؟

Ø    كيف يتدخل المجتمع في بناء الوعي بالواجب الأخلاقي؟

Ø    هل الواجب الأخلاقي  يتأسس على معطى فردي؟

المحور الأول: الواجب و الإكراه

تمهيد:

لئن كان للإنسان الحرية التامة في ممارسة حقوقه، فإن الأمر يختلف أشد الاختلاف حينما يتعلق الأمر بالواجب حيث يضيق مجال الحرية والاختيار ويصبح الإكراه الميسم الأساس، سواء مورس بشكل ذاتي (=الضمير) أو خارجي(= القانون، المجتمع). إذ الراجح أن يكون الواجب على شكل إلزام يفترض القيام به أو الإحجام عنه حتى وإن تعارض مع مصلحة الفرد ونوازعه الخاصة.

يتضح من ذلك أن الواجب لا يكاد ينفصل عن الإكراه. بل إن العلاقة بينهما علاقة تضايف إن لم نقل تماه، لكن ألا يمكن أن يصدر الواجب عن محض اختيار خالص إرادة حرة بعيدا عن الإجبار والإلزام؟

vموقف كانط.

عالج كانط مسألة الواجب بشكل عام في كتبه ومقالاته الأخلاقية[1] معالجة دقيقة كان الهدف منها التأسيس الفعلي والكوني لمفهوم الفعل الأخلاقي من حيث هو ضرورة عقلية نابعة من ذات إنسانية تتمتع بنوع من الحرية والاستقلال الذاتي [2]autonomie. معنى ذلك أن كل عاقل لا بد أن يقتنع ويقبل بالفعل الأخلاقي على شكل واجب ـ حتى وإن تعارض مع ميولاته الذاتية ـ مادامت الغاية هي  تحقيق أكبر حرية إنسانية طبقا للقوانين ،بحيث يمكن لحرية كل واحد أن تتعايش مع حرية الآخرين. هذه المقولة تستمد قوتها من كون احترام القانون الأخلاقي الذي يحكم الجميع ضرورة لا محيد عنها حتى يتمكن الشخص من التعايش مع الجميع تحت مظلة المساواة أمام القانون. والمرجع الأساس الذي يجب أن ينطلق منه الجميع ـ حسب كانط ـ  هو العقل لأنه كوني بالنسبة للجميع. والحكم الأخلاقي إذ يصدر عن الإرادة الخيرة الحرة ـ التي مصدرها العقل هي الأخرى ـ فهو أيضا يمكن توصيفه بالكوني. الإرادة تلك يجب أن تكون غاية في ذاتها تفترض أن يكون  الواجب الأخلاقي هو الآخر خال من كل غاية منفعية وبالتالي غاية في ذاته. بهذه الوصفة يمكن أن يكون الإكراه الذي يفرضه العقل على الشخص نابعا من حرية ذاتية مبنية على الاقتناع، بحيث يكون الإلزام داخليا وذاتيا قائم النية الحسنة والخالصة.

الإكراه بهذا المعنى يصبح فعلا من أفعل الإرادة. إنه إكراه حر[3]  يتخذ صفة الآمر القطعي المطلق والخال من الغائية. بمعنى انه  يتميز عن الأمر الأخلاقي الشرطي الذي تعبر عنه عبارة "افعل كذا لتنال كذا"(مثل : لا تسرق  كي لا تدخل السجن) الذي لا يصنفه كانط في خانة الأفعال الأخلاقية لما فيه من مساومة وابتذال يسلبان الفعل الأخلاقي غايته النبيلة. كما أن الأوامر الأخلاقية غير مشروطة  بأية نتائج أو ميول، بل لها بداهة مباشرة، لدرجة أن الإرادة تعرف أن عليها أن تخضع لهذه الأوامر[4]، وهذه الأوامر ذات صبغة كونية شمولية هي التي تؤسس لمعنى الواجب عند كانط وفق القواعد التالية:

1.   تصرف بحيث تجعل من قاعدة فعلك قانونا لنفسك ولسائر الناس.

2.   تصرف دائما وفق الطريقة التي تجعلك تعتبر الإنسانية، في شخصك وفي غيرك، غاية مطلقة لا وسيلة بأي حال من الأحوال.

3.   تصرف معتبرا إرادتك مشرعا لتشريع كوني.       

اهتجس كانط بهاجس الكونية وهو يبني فلسفته النقدية بشكل عام. لذلك وضع قوانينا تتسع رقعتها لتشمل الإنسان كمفهوم، أي الإنسان في صيغته المطلقة، مركزا على العقل والإرادة  لطابعهما الكوني والمشترك.  فالعقل العملي إلى جانب الإرادة هما المشرعين لمفهوم الواجب، الذي هو إكراه، من حيث هو فعل خاضع للعقل،  وللحرية، لأن مصدره الإرادة فهل يمكن تصور إرادة بدون حرية؟  أليس في هذه الحرية ما يجعل إتيان الفعل الأخلاق  نابع من رغبة الإنسان في أن ينال استحسان الآخرين (المجتمع)؟

vموقف دوركهايم.

الجواب على هذا الإشكال يجد مقدماته النظرية عند عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم حيث يرى، هو،  أنه بالإضافة إلى الطابع الإلزامي الذي يسم الواجب، ثمة رغبة و ميل نحو انجاز الفعل الأخلاقي الخير. الواجب بهذا المعنى محط رغبة[5]، ما دام الإنسان خير بطبعه كما يقول روسو، وليس فقط محض إلزام كما يرى كانط. إننا نشعر بنوع من اللذة لا مثيل لها عند ممارستنا للواجب، بسبب أنه واجب[6].

لم يعد الواجب مع دوركهايم مجرد معطى متعالي خالص وإنما هو مرتبط بتجربة الذات في علاقتها بالأخر. التجربة تلك تبين أن المجتمع يرفض نظامه الأخلاقي فرضا مما يجعلنا نتساءل عن قيمة الإرادة الصانعة للفعل الأخلاقي في ظل مجتمع يفتقر إلى الحرية. في خضم هذا التضارب يرى دوركهايم أنه ليس هناك "فعل أخلاقي خالص  تم القيام به على أنه واجب، بل يكون من الضروري دوما أن يظهر هذا الفعل على أنه جيد ومستحسن بشكل ما. وعلى العكس من ذلك يبدو أنه لا توجد موضوعات مرغوب فيها بشكل خالص، لأنها تتطلب دوما قدرا من المجهود الشخصي"[7].

vموقف هيجل.

على الضفة الأخرى، يرى هيجل أن الأطروحة الكانطية مجرد نزعة صورية[8] تفتقر إلى التجلي والتجسد في الواقع. الواجب مع هيجل ذو طابع مؤسساتي وغايته هي إقامة الدولة القوية التي يبتدئ بناؤها من الفرد الذي ينصهر في الكل، بلغة صاحب الفينومنولوجيا " يجب على الفرد الذي يؤدي واجبه أن يحقق مصلحته الشخصية أو إشباعه وأن يتحول الشأن العام إلى شأن خاص بفعل وضعيته داخل الدولة[9]. يعنى هذا الكلام أن المصلحة الخاصة تنصهر ضمن المصلحة العامة بحيث يضمن الفرد حمايتها. "فالفرد ـ يقول هيجل ـ الخاضع للواجبات سيجد في تحقيقها حمايته لشخصه ولملكيته باعتباره مواطنا، وتقديرا لمنفعته وإشباعا لماهيته الجوهرية، واعتزازا بكونه عضوا في هذا الكل"[10]. وبذلك يغدو الواجب مرتبطا بالدولة لا بالذات في وجودها الخالص. لكن سؤلا سؤالا بطرح نفسه في هذا السياق: أليس ثمة واجبات تخرج عن هذا التصنيف؟

vموقف هيوم.

من هذا المنطلق، كان هيوم يميز بين هذا الواجب الناتج عن ميل طبيعي نحو الخير ( حب الأطفال) بمعزل عن أي شعور بالإلزام أو أي اعتبار لمنفعة عامة أو خاصة[11] ،وبين ذاك الذي يصدر عن إحساس بالإلزام  لا غير، لأنه يمثل ضرورات المجتمع البشري التي تمثل كابحا للغرائز والميول الذاتية الجامحة (حب التملك). بهذا المعنى يصبح الإلزام والإكراه ضرورة لحفظ البقاء واستمرار الحياة الاجتماعية وإلا عمت الفوضى.

vموقف غويو ونيتشه.

على النقيض من ذلك يرى غويو أن الفعل الأخلاقي لا يجب أن يصدر عن إلزام   و لا عنة خوف من أي جزاء أو عقاب. إنما يكون هو فعلا تأسيسا لمسار الحياة الذي لا ينتهي، و لغايات حددتها الطبيعة الإنسانية بوصفها فاعلية مطلقة نحو الحياة. لكن الواجب الأخلاقي من وجهة النظر الطبيعية هاته التي ليس فيها شيء غيبي، يرتد إلى القانون الطبيعي الشامل[12] ، فمصدره هو الشعور الفياض "بأننا عشنا و أننا أدينا مهمتنا ...     و سوف تستمر الحياة بعدنا، من دوننا، و لكن لعل لنا بعض الفضل في هذا الاستمرار". و المنحى نفسه يتخذه نيتشه حين يؤسس الأخلاق على مبدإ الحياة بوصفها إندفاع خلاق محض. إذ الفعل الأخلاقي عند نيتشه ما يخدم الحياة ما يزيد من قوتها و ليس ما يضعف الحياة و يزيد من محدوديتها. هكذا هو الخير و الشر عند نيتشه.

   

¨   المحور الثاني: الوعي الأخلاقي

تمهيد:

تتمفصل كل  النصوص التي سنأتي على تحليل مواقف أصحابها في إشكالية أساس لنا ان نصوغها كالآتي: ماهي العلاقة الممكن إيجادها بين كل من الواجب والوعي الأخلاقي؟ فمنهم النازع إلى التأكيد على ان الترابط والتلازم ميسم العلاقة بين الواجب والوعي الأخلاقي فلا ينفك الواحد منهم يتأسس على الآخر التأسيس، وذلك موقف الفيلسوف إريك فايل، ومنهم الذي حذا بموقفه حذو الرافض المنتقد لاطرواحات الفلاسفة السابقين عليه والمؤكدين على تاثير المحيط الخارجي في أخلاق الواحد منا، ليثبت هو أحقية القاعدة كمبدأ مؤسس للأخلاق هو ذا موقف الفيلسوف فرونسو برنطانو،وهذا مفكر إسلامي آخر يرى في العقل المرشد والمدل في كل فعل أخلاقي، فلا مناصة للإنسان حتى يتسنى له العيش ضمن جماعة يطبعها التماسك والوحدة غير الإقتداء بالعقل، من هنا يكون الاكتساب خاصية الخلق[13].تتعدد المواقف وتختلف فمن خارج الفلسفة يدلو أحد المحللين النفسيين بدلوه في مجال ظل منذ زمن غير يسير حكر التفكير الفلسفي، ليثبت هو على أن النفس الإنسانية في ثلاثيتها(الأنا le moi،الأنا الأعلى le sur-moi،الهو le ça تتضمن كل محدد أخلاقي وهو الدور المنوط بالأنا الأعلى، بخلاف هذه المواقف يقدم لنا هاينز كينتشتاينر تصورا آخر يجد قاعدته المركزية ولبنته الأساس في الوعي التاريخي، إذ يقدم لنا هو المنحى التاريخي الذي قطعته الأخلاق، ويمكن تقسيمه إلى شقين كبيرين، الأول هو قبل نشوء الفرد الحر المستقل وفيها كان الوعي الأخلاقي مرتبط أشد الإرتباط بالأطر الخارجية، أما الشق الثاني فهو المتعلق ببزوغ الفرد المستقل والحر[14].إذا كان ذلك كذلك فمع روسو سيتم إرجاع الوعي الاخلاقي إلى ما هو فطري، إذ الفرد ينزع بطريقة هي أقرب إلى الغريزة منها إلى شيء آخر نحو الخير ويتجه.

ربما، وعلى الضد من كل هذه المواقف التي يقدمها لنا الفكر الفلسفي يرسم لنا الموقف النتشوي معالم الوعي الأخلاقي في أصله الأول، حيث للوعي  الأخلاقي صلة ربط مع العنف الممارس على المدين.[15] 

vموقف إريك فايل.

ينحو صاحب النص إلى التقريرمفاده ان الأخلاق بما هي مجال يضم بين ثناياها مفهوم الواجب le devoir فهي تلازم العقل تلازما جدليا فلا فرقة بينهم ولا خصام.فكل أمر نابع من العقل هو بالضرورة أخلاقي إذ أن كل انحياز إلى العقل­يقول فايل­ينتج عنه التأسيس الحقيقي والحق للمبدأالأخلاقي.

وتاكيد فايل لأطروحته ­تلازم العقل والأخلاق­جاء انطلاقا من عرضه لمجموعة منطلقات وإواليات:

٭تعارض العقل والنزوة.

٭لابد لما هو خاص ان ينفتح على أفق ما هو كوني وشمولي.

٭الذات بما هي ذات إنسانية وجب عليها الإنضواء تحت لواء ما هو كوني.

٭نفي صفة الموضوع على الإنسان أو قابلية توسيله.

٭الإقرار بعاقلية الكائن  الإنساني.

٭حرية التصرف الأخلاقي.

٭ملازمة الحرية للعقل.

من خلال هذه المنطلقات التي عضها علينا فايل يخلص إلى نتيجة وهي أن الإنسان في تغليبه لميسم العقل من جهة اولى، وفي انفلاته من بوثقةة ما هو خاص من جهة ثانية، وفي كونه كائن حر ذو اختيار من جهة ثالثة، متى انحاز إلى العقل فإن المبدأ الاخلاقي يكون قد تم تأسيسه بالفعل.

     

vموقف فرنتس برونتانو.

قبل تطرق الفيلسوف إلى أطروحته عمل بادئ ذي بدء على عرض موقف الفلاسفة السابقين وذلك بغية دحضها، أما الموقف فجاء على الشكل الآتي: أن الوعي الأخلاقي حسب الفلاسفة القدماء يصدر عن تلك العلاقة الموجودة بين الفعل الأخلاقي والمحيط الذي يزود الفرد بمجموع الاوامر والواجبات، متوجهين إليه بالقول: "يجب عليك"، والتي يستبطنها بدوره ويتمثلها بطريقة يضفي عليها نوعا من الشرعية.

تجاوز فرنتس برونتانو لموقف الفلاسفة السابقين هو  تجاوز الرأي القائل بأن الأخلاق تجد قاعدتها الأساس في الإلزامات الصادرة عن إرادة خارجية ليعةضها بمقولة القاعدة، ضاربا لذلك مثال العلاقة المنطقية الموجودة بين المقدمات والنتائج .، إذ هي علاقة تفرضها القاعدة.

vموقف ابن امسكويه.

يبدأ صاحب النص بتقديم تعريف للخلق[16] إذ شق منه مرده إلى ما هو طبيعي لنفس غير الناطقة فيه الكلمة الفصل، أما الشق الآخر فهو المستفاد من العادة والتدلريب والعقل بالنسبة إليه القائد والمسير، إنه الدليل والمرشد. من هذا المنطلق هناك من الناس من ينحاز إلى الرأي القائل بطبيعية الأخلاق ، ومنهم من يرى عكس ذلك؛ أي أن الأخلاق تكتسب وتلقن أنطلاقا من العادة.أما فيما يتعلق بموقف ابن مسكويه فإنه يسير في نفس مسار الموقف الثاني لحجيته، إذ لامجال للإنسان إلا الإقتداء بالعقل "النفس الناطقة" المؤسس لكل فعل أخلاقي، حتى يتسنى له العيش ضمن منظومة يكتسيها طابع العقل والعقلانية، إذ في الحالة المعاكسة التي نترك فيها الفرد يعيش بمقتضى هواه لن يتحصل منه غير الطباع الذميمة واللاإنسانية.

 

vموقف سيغموند فرويد.

محاولة فرويد في هذا النص تكمن في الإجابة عن الإشكال الآتي: ما العلاقة الممكنة بين الضمير الأخلاقي والسلطة الخارجية من عادات وأعراف وتقاليد وسلطة الأب؟

إجابة فرويد عن الإشكال لن يخرج عن الخطاطة العامة التي يرسمها للجهاز النفسي عامةة حيث يقسم الأخير إلى ثلاث هيئات: الأنا، والأنا الأعلى،والهو؛ يمثل الأنا الأعلى مجمل العادات والتقاليد والسلطالخارجية التي يستبطنها الفرد إذ تصبح هي العامل الأول والأخير في الحكم على الأشياء، أما الأنا فدوره كامن في إيجاد نقطة الإتزان بين الأنا الأعلى والهو، حيث أن الأخير يحمل بين طياته كل ما يتمثله الفرد من غرائز والأخص بالذكر هنا غريزة الجنس.من هذا المنطلق يكون الحديث عن الضمير الأخلاقي متوقف عن الانا الأعلى كسلطة خارجية بها نقيم الأشياء.

إذن الأخلاق بالنسبة التحليل النفسي لم تعد معلقة في سماء الحرية التي يدعي الفرد امتلاكها بقدر ما أن الأخلاق أصبحت جزء من كل(العالم الخارجي).

v   موقف هاينز كينتشتاينر.

ينطلق صاحب النص في إطارا معالجته لمشكلة الضمير الأخلاقي من مقدمة مفادها أن هذا الأخير هو ذا منحى تاريخي تطوري فلا ينفك يتقدم ويتطور من حالة إلى حالة أخرى وهو مرتبط بالمحددات السوسيو اجتماعية ولاانفصال له عنها. يقول كينتشتاينر "للوعي الأخلاقي تاريخ"، بأي معنى هو كذلك؟ وأي تاريخ هو؟

يؤرخ كينتشتاينر للوعي التاريخي من موقع أوروبا جغرافيا، من زاوية الإصلاح الديني للقرن الثامن عشر و التاسع عشر عقائديا، ومن منظور كانط معرفيا وفلسفيا.إن الوعي التاريخي ارتبط في نشئته الأولى بما هو خارجي لا يكون للفرد فيه أي مجال أو فسحة للحرية بل يتقيد بها التقيد، أما المرحلة الثانية فهي التي سيعمل فيها الفرد على القطع مع كل السلط الخارجية قطعا ليصبح مسؤولا عن أفعاله.من هذا المنطلق يظهر لنا أن الوعي الاخلاقي هو جزء من بنية وعي تاريخي منفتح ومتطور.

vموقف جان جاك روسو.

عمل روسو في هذا النص على التأكيد بفطرية الضمير الأخلاقي، فالإنسان سواء في تقييمه للأشياء والحكم على الآخرين من جهة أولى والحكم عاى الآخرين من جهة ثانية يكون فيه منطلق أحكامه نابع من مجمل الأحاسيس الفطرية التي يمتاز بها الفرد أما الأحاسيس فيسردها لنا روسو كالآتي : حب الذات والخوف من الألم والموت والرغبة في العيش السعيد. غير أن ها لايعني بأن الفرد الإنساني يظل حبيس ذاته وما تنتجه من أحاسيس داخله، فمروض عليه هو العيش ضمن جماعات معينة تكفل له باقي حاجياته التي يعجز عن تحقيقها بمفرده، وعيشه هذا معع الغير ينشأعنه النسق المتكامل للأخلاق والذي ينهل منه الوعي الإنساني.على أن لانفهم من ذلك أن الوعي ذو مصدر خارجي تمثله عادات المجتمع وأعرافه، وإنما هو غريزة كامنة داخل الإنسان.

 

 ¨   المحور الثالث: الواجب و المجتمع

تمهيد:

إن العلاقة التي يمكن افتراض تحديدها بين النظام الأخلاقي و المجتمع من جهة أولى، و الوعي الفردي من جهة ثانية، كممارسة تتحدد وفق نمط معين من التوجيهات، بما هي أفعال تنطرح في قالب من النهج العملي، لهي بحقﱟ علاقة تتسم بالتفاوت و التباين و الاختلاف، و ليس يستغرب من أحد إن وجد الأنظار عند الذين تحدثوا في الواجب الأخلاقي من جهة تأسيسه و تنميته، إذ نزع بعضهم إلى أنه مؤسس على عقيدة المجتمع الذي يبث عبر مؤسساته أنماطا معينة من السلوكات الأخلاقية بما فيها الواجب، فإن تفسيرات أخرى تطمئن إلى القول بضرورة الانعتاق من السلطة الأخلاقية للمجتمع،      و تجاوزها و بناء الوعي الأخلاقي على الإرادة الفردية. بيد أن الواجب الأخلاقي فردي محض. و من ثمة جاز لنا أن نطرح التساؤلات التالية:

·     كيف يتدخل المجتمع في بناء الوعي بالواجب الأخلاقي؟

·     ما هي مختلف تمثلات الواجب الأخلاقي؟

·     هل الواجب الأخلاقي  يتأسس على معطى فردي؟

·     هل يجب أن يخضع الإنسان لكل ما تمليه عليه الجماعة (المجتمع)؟

·     و في إشكالية جامعة مانعة نتساءل:

·     هل الواجب الأخلاقي يحكمه ضمير الفرد أم ضمير المجتمع؟

vموقف دوركايم.

لعل الباحث في مجال السوسيولوجيا و الداراسات التي تعنى بكشف البنى المتحكمة في المتجتمع لسيجد بأن دوركايم واحد من اولئك الذين اغنوا مجال علم الاجتماع بمباحث غزيرة. و من أهمها على الإطلاق دراسته للتربية الأخلاقية و الكيفية التي يعمل بها المجتمع في بناء الوعي الأخلاقي بين الأفراد، فأسس لما يسمى بمفهوم التنشئة الاجتماعية[17].

إن المجتمع يشكل سلطة معنوية تتحكم في وجدان الأفراد، و يكون نظرتهم لمختلف أنماط السلوك داخله، و من ثمة فالمجتمع يمارس نوعا من القهر و الجبر على الأفراد إذ هو الذي يرسم لهم معالم الامتثال للواجب الأخلاقي و النظم الأخلاقية عموما، و لما كانت الحال كذلك لأن الأفراد يُسلب منهم الوعي بالفعل الأخلاقي، لأنه لم يكن نابعا من إرادة حرة و واعية و انما عن ضمير و وعي جمعيين هما المتحكمان في سلوكيات الأفراد.   و بالتالي فالمجتمع سلطة إلزامية "و التي يجب أن نخضع لها لأنها تحكمنا و تربطنا بغايات تتجاوزنا"[18].

و من ثمة فالمجتمع يتعالى على الإرادات الفردية، و يفرض السلوكيات التي يجب أن يكون بما فيها السلوكيات الأخلاقية لأن المجتمع "قوة أخلاقية كبيرة"[19]. فيحقق الأفراد غاية المجتمع لا غاية ذواتهم و الانصات لصوته الآمر لأن "تلك المشاعر التي تملي علينا سلوكنا بلهجة آمرة صارمة و ضميرنا الأخلاقي لم ينتج إلا عن المجتمع و لايعبر إلا عنه"[20].

vموقف هنري برغسون.

رغم تعدد الإرادات التي نلحظها عيانيا داخل المجتمعات، و بحسب الوظائف التي تشغلها، و رغم ما قد يلاحظ أن الأفراد يجسدون و يعبرون عن قناعات راسخة فيهم، فإنهم يعبرون عنها في شكل قهري و سلطوي يتعالى على الارادات الحرة، أي أنها تعبر عن سلطة خارجة عنهم " لأننا كنا نشعر بوجود ضغط عظيم يكمن وراء بتصرفاتهم     و بواسطتها، و سنعرف فيما بعد أن الأمر يتعلق بالمجتمع"[21].

و بالتالي فإن تلك السلطة التي عبرها نتجرك أخلاقيا تسير وفق نوع من الانضباط -خدمة للصالح العام- الذي يقضي التضحية في سبيل الوطن " كما أن المجتمع هو الذي يرسم للفرد مناهج حياته اليومية"[22].

و إن كان برغسون لا ينكر ما للمجتمع من قدرة تعسفية ماورائية تمارس على الأفراد فيما يخص تصرفاتهم الأخلاقية، فإنه يدعو بالمقابل إلى ضرورة الانعتاق من هذه السلطة الأخلاقية المتعالية، و طلب ما سماه بالواجب الأخلاقي الكوني الذي يتعدى       و يتجاوز الأخلاق المنغلقة التي يكرسها المجتمع، لأن هذا الأخير يرسخ أخلاقا تتماشى  و الأفراد المكونين للمجتمع الواحد، و الأخلاق الكونية تنفتح على الشمولي و على الإنسان ككل بصرف النظر عن انتمائه المجتمعي لأن لدينا " واجبات نحو الإنسان من حيث هو إنسان"[23].

vموقف فريدريك انجلز.

يقدم انجلز المفكر الماركسي الاشتراكي طرحا مهما حول مسألة الواجب الأخلاقي، إذ يعتبر أن النظريات الأخلاقية ليست قانونا يتعالى عن التاريخ و عن المجريات الاجتماعية، بل بناؤها و العمل بها رهين بالمتغيرات التي تطال المجتمعات الانسانية داخل مختبر التاريخ، هذه التغيرات التي تسير و الايقاع الاقتصادي و الصراع الطبقي،  و يطالها التغير و الفساد و تختلف " فإن كانت السرقة في لحظة تاريخية معينة رذيلة يمجها المجتمع ففي مجتمع ليس فيه، أية أسباب تدعو للسرقة ...كم سيعرض الواعظ الأخلاقي للسخرية عندما يدعو علنا إلى الحقيقة الخالدة: ينبغي عليك ألا تسرق!"[24].

إذن، فكل لحظة تاريخية تنتج عن متطلبات المجنمع فيها، و دعواتها الأخلاقية تعبر عن مصالح طبقة بعينها ضدا على طبقة أخرى، إنها مسألة الصراع كما يتحدث عنها ماركس بجلاء، باعتبار أن الصراع الطبقي هو المحرك الوحدي للتاريخ من الامتلاك و الاستغلال، ‘نه استغلال طبقة أقوى لطبقة أخرى أضعف.و لا مناص من القول "الأخلاق بدورها تخضع بدون شك لفكرة التقدم"[25].

v   موقف ماكس فيبر.

ينصرف عالم الاجتماع ماكس فيبر في حديثه عن الواجب الأخلاقي و الأخلاق عموما إلى القول بأن الأخلاق في مجملها تنقسم الى نمطين اثنين: نمط أول موسوم بأخلاق الاقتناع ذات المظهر المثالي و المتعالي التي يكون فيها الفرد غير متحمل لأية مسؤولية، و إنما هي مركونة إلى المؤثرات و العوامل الخارجية التي لا يتدخل فيها الفرد، و إنما نتطرح فيه بتأثير الأبعاد الدينية، بما هي صوت متعال يصدر أوامره، حيث إن " أخلاقية الاقتناع لن ترجع المسؤولية إلى الفاعل، بل إلى العالم المحيط و إلى حماقة البشر و إلى مشيئة الله الذي خلق الناس على بهذه الصورة"[26].

و نمط ثان من الأخلاق هو ما كناه بأخلاق المسؤولية، التي تصدر من الذات الفردية و تتأسس على الوعي الفردي الحر، إذ "نحن مسؤولون عن النتائج التي تمكن توقعها لأفعالنا"، و لا ترجع المسؤولية إلى بعد خارجي قسري، لا علاقة لهذه الأخلاق بالقدر أو بالحظ، من ثمة "سيقول الفرد: إن هذه النتائج ترجع إلى مسؤولية فعلي الخاص"[27].

vموقف جون راولز.

إن جون راولز صاحب نظرية العدالة في الفكر السياسي المعاصر، ينصرف في حديثه عن الواجب الأخلاقي إلى الحديث عن الواجب باعتباره نمطا من التضامن الي يبنه و يؤسسه الجيل السابق للجيل اللاحق، حتى يتسطيع الجيل ألول أن يوفر كل إمكانيات العيش الرغيد و المريح، إن " الأجيال السابقة تتحمل على كاهلها أعباء كثيرة تصب في صالح الأجيال اللاحقة"[28]. و بالتالي فكل جيل يتحمل على عاتقه ضرورة تأمين المستقبل الذي لا يجعل الجيل اللاحق في حالة من الضياع و التشتت.

و كثيرة هي المناحي التي ينبثق منها هذا الواجب الأخلاقي بما هو تضامن بين الأجيال، لكن يظهر بلملح بارز في المجال الإقتصادي، إذ الاقتصاد هو المحرك الوحيد للتاريخ، و عدم القدرة على امتلاكه لا يجعل الحياة رغيدة و مريحة، و هذا التضامن هو خدمة للمجتمع عموما و تقسيم الثروات بشكل عادل، و من أجل أن "يكون المجتمع قد أدى واجبه في العدالة"[29].

خاتمة

 انطلاقا مما سبق التطرق إليه من مواقف نجد أن الواجب الأخلاقي مفهوم يترواح بين عدة أنظار و مواقف متابينة لا تتعارض و أكثر مما تكون صورة بانورامية حوله، فمنهم من جعل رحج أن الواجب إرادة حرة و مطلقة في مقابل رأي معاكس اديرى التقيض، و طرح آخر يجعل من الواجب الأخلاقي رهين سلطة من السلط قد تكون نفسية أو دينية أو غير ذلك، و نظر آخر يجعل من الواجب الأخلاقي لحظة من لحظات القهر الذي يمارسه المجتمع على الأفراد، أو فضاء يستشرف الواجب الكوني المنفتح كما برغسون.